"حسناء قرطاج".. أرعبت روما وانتحرت تجنباً لعار الهزيمة

على مدار عقود كان ملف الهيمنة والتجارة والملاحة على الجزء الغربي للبحر الأبيض المتوسط محل نزاع بين كل من روما وقرطاج الآخذتين في التوسع. وقد أسفر ذلك عن توتر العلاقات واندلاع صدام بين هاتين القوتين العسكريتين المطلتين على البحر الأبيض المتوسط حيث تواجه الطرفان في ثلاثة حروب طاحنة عرفت بالحروب البونيقية (Punic Wars) وانتهت بهزيمة وخراب قرطاج سنة 146 قبل الميلاد.

وخلال الحرب البونيقية الأولى ما بين عامي 264 و241 قبل الميلاد خسرت قرطاج تفوقها البحري لصالح روما. أما الحرب البونيقية الثانية والتي جرت وقائعها ما بين عامي 218 و201 قبل الميلاد فقد تميزت بظهور الجنرال القرطاجي حنبعل برقا (Hannibal Barca) والذي قاد هجوما ضد روما حيث انطلق الأخير من شبه الجزيرة الأيبيرية، والتي امتلكت قرطاج بجنوبها مستعمرات ومراكز تجارية، ليعبر البيرنيه والآلب بجيوشه التي تكونت أساسا من المرتزقة والفيلة وليحل بإيطاليا ويوجه هزائم قاسية لجيوش روما كانت أبرزها بمعركة كاناي (Battle of Cannae) سنة 216 قبل الميلاد.

لوحة زيتية بعنوان موت صوفونيسبا للرسام جامباتيستا بيتوني

وإضافة لحنبعل برقا، عرفت الحرب البونيقية الثانية ظهور شخصية بارزة رسمت خريطة التحالفات بالمنطقة وأثرت على مجرى الحرب حيث لم تكن الأخيرة سوى الحسناء القرطاجية صفنبعل والمعروفة أيضا بصوفونيسبا (Sophonisba) ابنة القائد العسكري القرطاجي صدربعل جيسكو (Hasdrubal Gisco).

ولدت صوفونيسبا في حدود العام 235 قبل الميلاد لعائلة أرستقراطية ذات نفوذ بقرطاج وعلى حسب المؤرخ الإغريقي ديودور الصقلي تميزت هذه المرأة بجمالها الذي تزامن مع مستواها الثقافي والتعليمي الجيد. في الأثناء، لعبت عائلة صوفونيسبا دورا بارزا في الحروب القرطاجية فقد حارب جدّها وقتل أثناء الحرب البونيقية الأولى بينما حضي والدها صدربعل جيسكو بمكانة هامة خلال الحرب البونيقية والتي أرسل خلالها رفقة جنوده لدعم قوات الجنرال صدربعل برقا (Hasdrubal Barca) بشبه الجزيرة الأيبيرية.

رسم تخيلي من العصور الوسطى لمعركة كاناي
تمثال نصفي للجنرال القرطاجي حنبعل برقا

على حسب ما نقله العديد من المؤرخين من أمثال المؤرخ الروماني أبيان، وعد القرطاجيون بمنح يد صوفونيسبا، المصنّفة حينها كإحدى حسناوات قرطاج، للقائد النوميدي ماسينيسا (Masinissa) ملك قبيلة ماسيلي بنوميديا الشرقية. في غضون ذلك، تحالف ماسينيسا مع بداية الحرب البونيقية الثانية مع القرطاجيين ليحارب الرومان الذين تحالفوا بدورهم حينها مع سيفاكس (Syphax) ملك القبيلة المازيسولية بنوميديا الغربية.

تمثال نصفي للجنرال الروماني سكيبو الإفريقي

وفي خضم الحرب، عرفت سياسة التحالفات تغيرا جذريا حيث اتجهت قرطاج لكسب الملك النوميدي سيفاكس كحليف لها خاصة مع تقدم الأخير داخل أراضيهم. ولهذا السبب، عقد القرطاجيون صلحا مع سيفاكس وزوّجوه بالحسناء صوفونيسبا التي كانت في حقيقة الأمر خطيبة القائد النوميدي الآخر وحليف قرطاج ماسينيسا. فضلا عن ذلك، نجحت صوفونيسبا بفضل ذكائها وجمالها في التأثير على زوجها الملك النوميدي سيفاكس وإقناعه بالتحالف مع قرطاج وتغيير موقفه والدخول في حرب ضد الرومان.

بالتزامن مع القرطاجيين وسيفاكس، تخلّى ماسينيسا عن قرطاج حيث استشاط الأخير غضبا عقب سماعه لخبر زواج صوفونيسبا من غريمه سيفاكس وتحالف القرطاجيين الجديد. وبناء على ذلك، فضّل ماسينيسا التحالف مع الرومان عارضا خدماته على القائد الروماني سكيبيو الإفريقي (Scipio Africanus).

لوحة زيتية تجسد حملة حنبعل برقا خلال الحرب البونيقية الثانية

أسفرت هذه الحرب عن نتائج وخيمة لسيفاكس حيث وقع الأخير أسيرا في قبضة ماسينيسا عقب خسارته لمعركة السهول الكبرى سنة 203 قبل الميلاد وسقوط عاصمته سيرتا (Cirta). في الأثناء، اتجه ماسينيسا لإنقاذ خطيبته وعشيقته السابقة صوفونيسبا، زوجة سيفاكس، من قبضة الرومان فأقدم على الزواج منها مثيرا بذلك غضب روما.

تشاءم القائد الروماني سكيبيو الإفريقي من زواج ماسينيسا بصوفونيسبا حيث تخوف القائد العسكري الروماني من إمكانية وقوع ماسينيسا تحت تأثير هذه الحسناء القرطاجية وتحوّله من حليف لعدو لروما تماما كما حصل ما سيفاكس سابقا ولهذا السبب طالب سكيبيو الإفريقي بإبطال الزواج وتسليمه صوفونيسبا لإخضاعها لمصير المهزومين عن طريق عرضها مقيدة بالأغلال في شوارع روما ضمن احتفال النصر.

وتجنبا لعار الهزيمة وإذلال قرطاج اتجهت صوفونيسبا لوضع حد لحياتها عن طريق تجرّع السم. وعلى حسب ما نقله بعض المؤرخين، تكفّل زوجها الجديد القائد النوميدي ماسينيسا بتوفير السم لها ليلة الزفاف لتفارق بذلك الحسناء القرطاجية الحياة سنة 203 قبل الميلاد وقد كانت آخر كلماتها "أنا لن أخسر سوى حياتي".

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى